ابن فرحون
118
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
وكان يقول لكل من وقف عليه من الكبار أو الصغار : كم في بيتك من العيال ؟ فيذكر له عددهم قلّوا أو كثروا ، فلا يكاد يزيدهم على تمره تمرة ، حتى يكاد يعمّ أهل البلاد كلهم فقيرهم وغنيهم ، كبيرهم وصغيرهم ، ثم يصبح على ذلك كل يوم من أول النهار إلى آخره . جئته مرة فأعطاني عشر تمرات ، فلما خرجت من عنده استقللتها فأعطيتها فقيرا سقّاء ، وكنت يومئذ صغير السن جدّا ، ثم إني ندمت على إعطائي له ، فأنا إلى اليوم أذكرها لما وجدت حينئذ من فقدها ، وكانت تلك السنة شديدة ، وأظنها السنة التي حج فيها الأمير سلار ، فإن التمر بلغ في الحاج خمسين ، ولم يوجد من كثرة الحواجّ والأمراء ، وكانت الترك والأمراء ليسوا مثل اليوم في الهدية ، بل يحملون التمر بالمئين . وأذكر في تلك السنة أن أعيان المجاورين كانوا يطلبون الحثالة من شدة الشهوة في التمر ، وما كان أحلاها إذا وجدت ، واتّفق أن جاء والدي من عند الشيخ يعقوب الشريف المتقدم ذكره في محفظته بمدّ تمر ، فسررت به وإخوتي ، حتى ولو كانت دراهم ما فرحنا بها كذلك . هذا كان الحال في تلك السنة ، وأما حال الناس في غيرها فكانوا في حال دون هذا ، السعيد وهو الذي يتغذّى بليلة ، والبليلة : حثالة وحشف مدقوقان يجعلان في قدح ويجعل عليه الماء ساعة ، فإذا ابتلّ قدّم إلى العيال أكله كأنه عندهم حلوى ، ويكون ذلك غذاؤهم حتى يأتي العشاء بما تيسر من جشيشة أو حريرة ، والناس اليوم ملوك أو كالملوك ولا يشكرون اللّه تعالى ، بل غلب عليهم بطر النعمة حتى اشتغل بعضهم بعضا من شدة الحسد والبغضاء . ذهب الوفاء ذهاب أمس الذاهب * فالناس بين مخاتل ومحارب